أصـــــــــــــــــداف

أصـــــــــــــــــداف

منتدى الشاعر معز عوض أبوالقاسم


    محاولة دراسة قصيدة عم عبد الرحيم

    شاطر
    avatar
    معز عوض
    Admin

    عدد المساهمات : 254
    تاريخ التسجيل : 13/10/2010
    العمر : 34
    الموقع : http://asdaf.ba7r.org

    محاولة دراسة قصيدة عم عبد الرحيم

    مُساهمة من طرف معز عوض في السبت 07 فبراير 2015, 17:47

    محاولة دراسة قصيدة (عم عبد الرحيم والموت مرتين) ملحمة الشاعر محمد الحسن حسن سالم حِميد


                                   ( 1 )


    (ﻓﺘّﺎﺡ ﻳﺎ ﻋﻠﻴﻢ
    ﺭﺯّﺍﻕ ﻳﺎ ﻛﺮﻳﻢ
    ﺻﻠﻰ ﻋﻠﻰ ﻋﺠﻞ
    ﻫﻤﻬﻢ ﻫﻤﻬﻤﺔ
    ﺣﺼّﻦ ﻟﻠﻌﺒﺎﺩ .. ﻭﻫﻮﺯﺯ ﺳﺒﺤﺘﻮ
    ﺩﻧﻘﺮ ﻟﻠﺘﺮﺍﺏ .. ﻫﻢ ﻓﻮﻕ ﻫﻢ ﻫمى
    ﺻﻨﻘﻊ للسما
    ﻭﻛﺎﻥ ﻓﻰ ﺍﻟﺠﻮ ﻓﻰ ﻏﻴﻢ
    ﻭﻛﻢ ﻧﺠﻤﺎﺕ ﺑُﻌﺎﺩ
    ﻭﻛﺎﻥ ﺍﻟﺪﻧﻴﻰ ﺻﻴﻒ
    ﻻ ﻗﺎﻟﺘﻠﻮﺍ ﻛﻴﻒ
    .. ﻛﻴﻒ ﺃﺻﺒﺤﺖ .. ﻛﻴﻒ
    ﻻ ﻟﻤﺴﺔ ﻭﺩﺍﺩ
    ﻻ ﻟﻤﺴﺔ ﺣﻨﺎﻥ
    ﻻ ﺭﻣﺸﺔ ﻃِﺮﻳﻒ
    ﻣﻦ ﻗﻠﺒﺎً ﻭﻓﻰ
    ﺯﻯ ﺃﻳﺎﻡ ﺯﻣﺎﻥ .. ﺃﻳﺎﻡ ﺍﻟﺪِﻓِﻰ
    ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺎﻫﺎ ﻓِﻰ .. ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻰ ﺍﻟﻤﺮﺍﺡ
    ﺷﺪَّﺗﻠﻮ ﺍﻟﺤﻤﺎﺭ ..
    ﺗﺤﻠﺐ في ﺍﻟﻐﻨﻢ ﻟﻰ ﺷﺎﻯ ﺍﻟﺼﺒﺎﺡ
    ﻭﺍﻟﻄﻴﺮ ﻣﺎ ﻧﻀﻢ .. ﻣﺎ ﺭﺳـّﻞ ﻧﻐﻢ).


          الإستهلالية كانت دعاء شخص لم يخبرنا به بعد ، بل بدأ بقوله وأخفاهُ عنّا .. حتى هذه الإفتتاحية ، لا ندري عمّن يتحدث ..
    بدأ بالقول (فتّاح يا عليم ، رزّاق يا كريم)  ، ثم دلف بنا للفعل (صلى ..........إلخ) ..
    والفعل (حصّن للعباد) بها قراءة كاملة لشخصية البطل القادم . فحميد لم يقل (تحصن ضد العباد) أي أنه يخشى من عينهم لأنه كما سيقول لاحقاً ( كل الناس صحاب ، كل الناس أهل) .. بل ذكر أن البطل هنا حصّن للعباد جميعاً بـ(الهمهمه) التي قالها وهذه صفات كاتب القصيده و (الحسين) في قصيدة ( الرجعه للبيت القديم) . الهم العام والشأن القومي ..
    كل أفعال البطل وأقواله أفعال بعض منها مألوف ويفعله كل السودانيين عدا (حصّن للعباد) التي هي حصرياً لدى حميد وبطله القادم ..
    بالإضافة إلا أن هذه العبارات تُقال في الصباح ، فإن حميد يريد أن يكون أكثر تحديداً لزمن الشخوص في هذا النص وهذا ما تُخبرنا به (وكم نجمات بعاد) .. إذ لا شيء يستدعي دخول النجوم في هذا الوقت ، عدا ما ينساهُ الليل على نوافذ الساعات الأولى من الفجر وهذا تحديداً هو زمن بداية المشهد ..
    كنا نتوقع أن يخبرنا بعد ذلك بشخصية البطل ، وإذ به يُقحمنا في غموضٍ آخر وشخصيةٍ أخرى يُنبئنا بها من خلال سؤِ تصرفٍ - كما يبدو للوهلة الأولى - للقادمة الجديدة التي (لا قالتلو كيف ......... لا رمشة طريف) وجعلنا نتسآل : أيعقل أن تكون هذه المرأة زوجة هذا الرجل !!!
    لا يريدنا أن نستعجل الحكم عليها ، فوافانا بالدفاع عنها ليؤكد أن ( الطيبون للطيبات) ويخبرنا أن ما منعها عن كل هذا ، هي وجودها في إنجاز مهامها الزوجيه تجاه هذا الزوج ..
    حتى هذه اللحظه لدينا زوج وزوجه بدون أسماء ومشهد بعد الفجر بقليل وهذا ما يؤكده للمرة الثانية بـ(والطير ما نضم ، ما رسل نغم) .



                                     ( 2 )


    (ﻋﻢ ﻋﺒﺪﺍﻟﺮﺣﻴﻢ
    ﺇﺗﻮﻛـّﻞ ﻧﺰﻝ .. ﻓﻰ ﺍﻟﻤُﺸﺮَﻉ ﻟِﻘَﻰ
    ﺯُﻣﻼﻥ ﺍﻟﺸﻘﺎ
    ﺍﻟﺠﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺮﻳﻒ .. ﺍﻟﺠﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺒﻞ
    ﻋﻞْ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﺨﻴﺮ
    ﺻﺒّﺢ ﻫﺎﻇﺮُﻡْ .. ﻧﻘْﻨﻖْ ﻧﺎﻗَﺮُﻡْ
    ﻏﺎﻇﻮﻫﻮ .. ﻭﻧﻌَﻞ
    ﻭﻋﻢ ﻋﺒﺪﺍﻟﺮﺣﻴﻢ ﻣﺎ ﺑﺨَﺒِﺮ ﺯﻋﻞ
    ﻛﻞ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻫﻨﺎ ﻣﺎ ﺑﺘﺨﺒِﺮ ﺯﻋﻞ
    ﺗﺰﻋﻞ ﻓﻰ ﺷِﻨﻮ .. ﻭﺗﺰﻋﻞ ﻣﻦ ﻣﻨﻮ ..
    ﻛﻞ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻫِﻨﺎ .. ﻛﻞ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺻِﺤَﺎﺏْ .. ﻛﻞ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺃﻫَﻞ
    ﻭﺍﻟﻤﺎﻫُﻢ ﻗُﺮَﺍﺏ .. ﻗﺮّﺑـُﻢْ ﺍﻟﻌﻤﻞ
    ﺍﻟﻄﺎﻕ ﺍﻟﻴَﻄُﻖْ .. ﻋﺸﺖْ .. ﺁ .. ﺃﺑﻮﺍﻟﺰَﻣَﻞ
    ﺑﻰ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﺍﻟﻌﻠﻴﻚ .. ﺑﻰ ﺍﻟﻔﺎﻝ .. ﺑﻰ ﺍﻷﻣﻞ).


         ها قد بدأ المشهد الثاني بعد أن عرفنا إسم البطل وانتقل بنا الشاعر إلى مكان عمل البطل بعد أن (توكل على الله) وذهب لعمله الذي لم يخبرنا به الشاعر  بعد ، ممتطياً (حماره) وهو عنصر متحرك جديد في مجمل العناصر المتحركه في النص .. وعندما وصل إلى (المُشرَع) المعروف لدى الجميع حيث يعبر هو وحماره للضفة الأخرى ، وجد (زملان الشقا) وهذا تعبيرٌ بديع يضع أمام أعيننا صورة رفقائه الكادحين الذين صادفهم غالباً في (المعديّه) أو (البنطون) وحدد لنا وجهتهم التي قدِموا منها وهما (الجريف) و (الجبل) اللتان يوجدان في (نوري) مسقط رأس الشاعر ومقره ومقامه الذي وهبه كل هذا السحر ..
    إذاً الشاعر هنا يختار مكان عرض المشاهد في (نوري) ليُكسِب المشاهد واقعيتها ، أو لعلها كانت حقيقية كمعظم قصائده ..
    ومن ثم تبتدئ تحايا الصباح بين البطل وبين (الكومبارس) الذين بدأ بينهم وبينه روح المزاح والدعابه الصادرة من القلب والخالية من الحقد والبغضاء ..
    ولعل حميد ومصطفى كانا يتعاملان مع شخصية عم عبد الرحيم الوقوره ، لهذا نجد حميد يورد كلمة (نعل) بوقار وإحترام وكذلك مصطفى حينما يغنيها يخفض صوت الموسيقى ويقولها على استحياء ، ليثبتانِ للجميع أن براءة هذا (النَعْلْ والسباب) يخرج من فيه البطل بمنتهى الوداعة والبراءة .. وهذا ما يبرره المقطع التالي (وعم عبد الرحيم ما بخبر زعل) وهذه المرة الثانية التي يستخدم فيها حميد إسم البطل بمصاحبة كلمة (عم) ولهذا دلالتها الخاصة ..
    والسبب الذي يجزم به حميد على صفاء نية الجميع في (المشرع) هو السبب الذي جعل البطل في بداية المشهد الأول يُحصّنهم جميعاً لأن (كل الناس صحاب ، كل الناس أهل) وزيادةً على ذلك (الماهن قُراب ، قرّبن العمل) .
    ولعلنا لاحظنا تكرار كلمة (هنا) مرتين في تفاصيل المقطع الثاني (كل الناس هنا ما بتخبر زعل) .. وهنا تعطيك إشارة للأشخاص الذين صادفهم في المُشرع وكذلك قد يكون يقصد بها كل الذين في القريه وقطعاً كل سكان السودان ، وهذا حسن ظن مبكّر من الحبيب حميد لم يلبث وأن تزعزع فينا - ولكن لم يتزعزع فيه حتى رحيله - والمرة الثانية (كل الناس هنا ، كل الناس صحاب   .. كل الناس أهل) وحتماً هي ذات الدلالات البعيدة التي يشير لها الشاعر ..
    ومواساة الشاعر ومواساة رفاقه للبطل ، لم تتوقف وكأن حميد يقول له أنك (عشت آ أبو الزمل) رغماً عن (الحال العليك) بـ(الفال والأمل) وهذا ما يزيد من تعلقنا بالبطل الذي عرفنا اسمه لتوّنا ولم نعلم بعد مهنته .


                                   ( 3 )


    (ﻋﻢ ﻋﺒﺪﺍﻟﺮﺣﻴﻢ ..
    ﻛُﺖْ ﻓﻼﺡ ﻓﻰ ﻳﻮﻡ
    ﻓﻰ ﺇﻳﺪﻙ ﺗﻨﻮﻡ .. ﻋﻠﻰ ﻛﻴﻔﻚ ﺗﻘﻮﻡ
    ﻻ ﺩﻓﺘﺮ ﺣﻀﻮﺭ .. ﻻ ﺣﺼﺔ ﻓﻄﻮﺭ
    ﺗﺰﺭﻉ ﺑﺎﻟﻘﻤﺮ .. ﺗﻘﺮﻉ باﻟﻨﺠﻮﻡ
    ﻟﻜﻦ ﺍﻟﺰﻣﻦ .. ﺩﻭّﺍﺭ .. ﺁ .. ﺑِﺪُﻭﻡ).


          للمرةُ الثالثة يستخدم حميد لفظ (عم) قبل إسم (عبد الرحيم) .. وهنا يدخل صوت الراوي ولكن في هذه المرة يخاطب الراوي البطل مباشرةً عكس ماتمّ في المقاطع السابقة وهي التحدث عنه بدلاً من التحدث معه ..
    ما الذي يريد أن يقوله الشاعر للبطل هذه المرة !!
    ولماذا لم يتحدث عنه في صيغة الحكي والروي بدلاً من مخاطبته !!!
    من وجهة نظري البسيطة جداً ، أرى أن الشاعر هنا يريد أن يُذكّر البطل بماضيه الغابر وبالتالي سرد ماضيه أمام القُراء ..
    يذكره أنه كان فلاحاً في يوماً من الأيام ، وهذا بالضرورة يؤكد أنه لم يعد - الآن - فلاحاً .. وهذا ينفي أن عمله الحالي هو الزراعه والفلاحة .. والمقاطع التالية لهذا المقطع تخبره عن الأشياء التي أصبحت تقيّده الآن ولم يكن يعملها سابقاً ..
    (في إيدك تنوم ، علي كيفك تقوم)
    وهذه الحرية في الإستيقاظ والعودة للنوم ، هي حريةٍ يبدؤ أن البطل كان يستخدمها أفضل إستخدام وهذا ما تدل عليه شخصيته التي مازالت تمسك بالفأل والأمل رغم فقر حاله ..
    وبما أن الشاعر يذكر البطل بهذا المجد القديم ، فهذا يعني أن ذلك المجد وتلك الحرية لم تعد موجودة الآن في عمله الجديد الذي يبدؤ من خلال هذه المقاطع أنه عملاً بدوام وبأجر لأن به دوام يُلزم بـ(دفتر الحضور) و (حصة الفطور) .. فما دام الشاعر يجر البطل لتلك الأيام التي كان حراً في بداية ونهاية عمله ، فهذا يدعم قولنا في زوال هذه الحرية في اللحظات التي يتحدث عنها  الشاعر مع البطل ..
    وحنينه لتلك الأيام هو حنين المزارع البسيط الذي (يزرع بالقمر) و (يقرع بالنجوم) ، لعمل أجداده وأسلافه الذين نشأوا مزارعين بالفطرة ..
    ويلوح من ثنايا هذا الحنين رؤية إقتصادية مستقبلية ثاقبة للشاعر وهو أن الزراعه هي خلاص هذا الشعب الوحيد من ضائقاته المالية وأزماته الإقتصادية ..
    وبالرجوع إلى حديث الإقتصاد فإن تقرير الشريف الهندي للبنك الدولي عن السودان كان مسانداً لحنين حميد حينما كتب الهندي للبنك الدولي هذه العبارة (ينبغي أن ينبني إقتصاد السودان على الزراعة والرعي ، وإن تفجرت فيه أنهار الذهب والبترول) ..  وحميد يظل ينادي بالرجوع للزراعة والفلاحة في معظم قصائده ..
    وكل الأشياء التي ذكّرها حميد للبطل تعني فقدانها الآن ، وإلا لما كان ذكّره بها .. ويثبت ذلك المقطع الأخير (لكن الزمن دوّار ، آ بدوم) .. وهنا يخفي عنّا الشاعر مرةً أخرى التفاصيل التي جعلت البطل يتحول من مزارع إلى موظف ربما أو صاحب مهنة أخرى بعيدة عن الزراعة .



                                     ( 4 )


    (ﻋﻢ ﻋﺒﺪﺍﻟﺮﺣﻴﻢ ..
    ﻣﺎﺷﻰ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﻐﻞ
    ﻓﻰ ﺍﻟﺒﺎﻝ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ .. ﻣﻦ ﻋﺎﺭ ﺍﻟﺘُﻜﻞ
    ﺗﻨﺸﺎﻳﺢ ﺟِﺮﺍﺡ
    يــا ......
    .. ﻛﻴﻒ ﺍﻟﻐُﺴُﻞ
    وﺍﻟﺪِﻧﻴِﻰ ﺃﻡ ﺻﻼﺡ ﺗﺒﺪﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﺘُﻜُﻞ
    ﻣﻦ ﺣِﺠـّﺔ ﺻﺒﺎﺡ .. ﻓﻰ ﺣﻖ ﺍﻟﻤُﻼﺡ
    ﻓﻰ ﺍﻟﻐُﺒُﻦ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ .. ﻓﻰ ﺍﻟﻘﺴﻂ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ
    ﻭﺑﻴﻨﺎﺗِﻦ ﻋﺸﻢ ..
    ﻓﻰ ﺍﻟﻔﺮﺝ ﺍﻟﻘﺮﻳﺐ).


       يتحول الشاعر من التحدث مع البطل إلى الحكي عنه وسرد مشهده الثالث بعد الـ(flash back) السابق في ذات المشهد الثاني ..
    وللمرة الرابعة تظهر لنا (عم عبد الرحيم) كاملة في بداية المقطع والمشهد الثالث .. وهو مشهد ذهاب البطل لعمله بعد أن تجاوز (المُشرع) ولكنه لم يتجاوز هموم المعيشه اليومية التي تسيطر عليه في حله وترحاله ..
    و(البال القديم) به تعبير يمكنني أن أقسم أن الحبيب حميد هو أول من أستخدمه وآخر من أستخدمه .. وهذه زاوية طبيه وعلمية أخرى يدركها حميد من خلال ثقافته الشاملة واطلاعه الواسع .. فالذاكرة تختزن تفاصيلها السابقة في مكانٍ قصيٍ في المخ وعملية إستدعاء هذه الأحداث تتم في زمن وجيز حيث ترسل الأعصاب إشارةً لهذه الغرفة (القديمة) لتمد الذاكرة/البال الجديدة بهذه المعلومات ..
    لم يستخدم الحبيب حميد مفرداته جزافاً فهو يعني ويعلم كل حرفٍ يكتبه وما يوجد وراء هذه الحروف ..
    و(تتشايح جراح) أشبه بمقولته (يتشايح جرحي واغنيك) وهذا تعبير بليغ يفضح لنا مرارة استدعاء هموم المعيشه من (البال القديم) ..
    وكلمة (يا) التي لم يردفها حميد بمنادي ، تؤكد لنا أنها لم تكن أداة نداء كما يبدؤ ولكنها أداة تحسّر وعجز كأن يقول أحدنا " يا ... كيف يمكنني معالجة هذا الأمر أو كيف يمكنني التصرف في كذا " .
    ويستحسن كتابتها ممدودة هكذا (يــــــا) كما غنّاها الراحل مصطفى وفطن لها كما كان يقصدها الحبيب حميد ..
    والثقافة الدينية للشاعر تبرز من خلال (كيف الغُسُل) .. إذ لا شيء يستدعي إستخدام هذه الكلمة هنا سوى أن بصيرة حميد وذكائه كان يحتّم عليه إدخالها هنا لأنه يقصد المعنى من كلمة (غُسل) .. فالغُسل يعني التطهّر وإزالة الأدران ، وحميد هنا يريد أن تُطهّر وتزال همومه وسؤ حاله التي أعيته .. ولم تكن تجدي أي عبارةٍ أخرى سوى هذه الإبادة التامة للفقر التي تتفق مع مقولة سيدنا علي بن أبي طالب (لو كان الفقرُ رجلاً ، لقتلته) ..
    ألم أقل لكم أن حميد كان يعني ما يقول !!!
    يعطينا حميد درساً في الحياة فيما يلي من أبيات
    (الدنيي أم صلاح تبدأ من التُكُل) وهذه حقيقة يتفق عليها الجميع أن كل الأزمات سببها (قفة الملاح) والتي تبدأ قطعاً من الحجة حول كيفية تدبير شؤون المنزل والطعام وكذلك الحجة حول (الغبن الجديد) ولعل هذه هي القضايا الآنية التي لم تكن قد ظهرت وقتها . وأيضاً الحجة في (القسط القديم) وهذا مصطلح اقتصادي لم يكن البطل ليعرفه لو لم يكن عاملاً مرتبطاً بمرتبٍ شهري ..  وما بين (الغبن الجديد) و (القسط القديم) لم يتخلّ البطل عن تفآؤله الأول و (عشمه) في (الفرج القريب) .. ولابد أن نلاحظ هذه العبارة لأنها ستقابلنا مرةً أخرى بمعنى جديد .


                                    ( 5 )


    (ﺃﻣﻮﻧﺔ ﺍﻟﺼﺒﺎﺡ ..
    ﻗﺎﻟﺘْﻠُﻮ ﺍﻟﻨـِّﻌﺎﻝ ﻭﺍﻟﻄِﺮﻗﻰ .. ﺇﻧَﻬَﺮَﻥْ
    ﻣﺎ ﻗﺎﻟﺘْﻠُﻮ ﺟِﻴﺐ
    .. ﺷﻴﻠِﻦ ﻳﺎ ﺍﻟﺤﺒﻴﺐ ﻏﺸّﻬِﻦ ﺍﻟﻨُﻘُﻠْﺘـِﻰ ﻭﺍﻟﺘﺮﺯﻯ ﺍﻟﻘﺮﻳﺐ
    ﺑﺲ ﻳﺎ ﺍﻡ ﺍﻟﺤﺴﻦ ..
    ﻃﻘّﻬِﻦ .. ﺁ .. ﺑِﻔﻴﺪ .. ﻃﻘّﻬِﻦ .. ﺁ .. ﺑﺰﻳﺪ
    ﺇﻧﻄﻘّﻦ ﺯﻣﻦ
    ﻭﺇﻥ ﻃﻖّ ﺍﻟﺰﻣﻦ .. ﻻﺯﻣِﻚ ﺗﻮﺏ ﺟﺪﻳﺪ
    ﺑﻰ ﺃﻳـّﺎً ﺗﻤَﻦ
    ﻏﺼﺒﺎً ﻟﻰ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ .. ﻭﺍﻟﺤﺎﻝ ﺍﻟﺤَﺮَﻥْ
    ﺷﺎﻥ ﻳﺎ ﺃﻡ ﺍﻟﺮﺣﻮﻡ .. ﻣﺎ ﺗﻨﻜﺴﻔﻰ ﻳﻮﻡ
    ﻟﻮ ﺟﺎﺭﺍﺗﻦ ﺟَﻦْ .. ﻣﺎﺭﻗﺎﺕ ﻟﻰ ﺻُﻔﺎﺡ
    ﺃﻭ ﺑﻴﺮﻳﻚ ﻧﺠﺎﺡ
    ﺩﻩ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ .. ﺇﺫﻥ
    ﻭﺃﻳﻪ ﺍﻟﺪِﻧﻴِﻰ ﻏﻴﺮ .. ﻟﻤّﺔ ﻧﺎﺱ ﻓﻰ ﺧﻴﺮ
    ﺃﻭ ﺳﺎﻋﺔ ﺣُﺰُﻥ)


    عرّفنا الشاعر على بطله وفقره وهمومه وها هو يدلف بنا لشخصيته الثانية التي لم نكن نعرف إسمها بعد .. ولكنه يقدّمها لنا بطريقةٍ جميلة ومبهرة كأنه يحاول أن يُزيل التعريف الأول الذي جعلنا نظن ظلماً أنها شخصيةً متعالية من خلال (لا قالتلو كيف) ..
    (أمونه) هو إسم زوجة البطل إذاً ..
    مرةً أخرى عمَد الشاعر لإستخدام الـ(flash back) وهو أمر معروف لدى كتاب المسرح .. فها نحن نعود معه من جديد للمشهد الأول الذي إنتهي بـ(شدتلو الحمار) وبعد تناول (شاي الصباح) دار بينهما هذا الحوار الإنساني و( الإقتصادي) .. نعم الإقتصادي الذي لو اتبعنه نساء اليوم ، لزالت كل الخلافات الزوجية بسبب المتطلبات و(لستة الصباح) ..
    (أمونه) الزوجة الصالحة تخبر زوجها - في مراعاةٍ لظرفه وكي لا تكلفه ما لا يطيق - أن يهتم بأمر (النعال) الوحيد لديها الذي (إنهرن) من كثر إستعماله  وكذلك (الطِرْق) الوحيد .. ولم تكلفه شراء آخر جديد وإنما أخذهما للـ(النقلتي) و(الترزي) لرتقهما وهذا في نظرها يكفي لأن تدرك أن بطلها ما كان ليبخل عليها لو كان يملك المال .. ولكن البطل لم يكن ليقف مكتوف الحال أمام هذا الرفق وهذه المراعاة الحنونه من زوجته الحنونه فيقول مستخدماً لقباً لها وهو (أم الحسن) ولم يخبرنا الشاعر إذا كان (الحسن) هو إبنهما أم أن هذا هو مجرد كنية و(دلع) لها ..
    يخبرها أن رتقهما لا يفيد ولا (يزيد) أي لن يكون لديها (نعال وطِرْق) جديد بعد هذه المعالجة ، لهذا يصر ويتحدى الزمن في ضرورة حصولها على ثوب جديد و(بي أياً تمن) رغم سؤ حاله وفقرة ومعاندة الظروف له لأنه لا يريدها أن تشعر بالدونية وسط رفيقاتها وجاراتها في القرية حينما يخرجن لـ(صفاح أو بيريك نجاح) .. لأن هذا واجبه كزوج أن يجعلها فخورةً به وفخورةً بنفسها وسطهن لأن الدنيا في نظره ليس أكثر من (لمة ناس في خير أو ساعة حزن) .



                                 ( 6 )


    (ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ ﻳﺎ ﺣُﺮ
    ﻣﺎﻛﺎ ﺣُﺮ
    ﻳﺎ ﺭﻳﺖ ﺍﻟﺘﻤﺮ ..
    ﻳﺎﺭﻳﺖ ﻟﻮ ﻳﺸﻴﻞ ﻛﻞِّ ﺗَﻼﺕْ  ﺃﺷـُﺮْ
    ﻭﻻّ ﺃﻳﺎﻡ ﺯﻣﺎﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺎ ﺗﻤُﺮ
    ﻛﺎﻥ ﻣﺎﺟﺎﻙ ﻫﻮﺍﻥ .. ﻣﺎ ﻻﻗﺎﻛﻰ ﺿـُﺮ
    ﻛﺎﻥ ﻻ ﺿِﻴﻖ ﻳﻀﻴﻖ
    ﻻ ﺃﻧﻐﺮﻏَﺮْ ﺻﺒﺮ
    ﻻ ﺷﺎﺑﻴﺖ ﻏﺮﻳﻖ .. ﻭﻻ ﻃﻠﻮَﺡْ ﻓﻘُﺮ
    ﻛﺎﻥ ﻣﺎﻛﺎﻥ .. ﻭﻛﺎﻥ ﺃﻛسيكي ﺩُﺭ).


    تنازل الحبيب حميد في هذا المطلع عن لفظ (عم)  ونادى البطل مُجرِّداً إياه من هذه اللفظة وكأنه يخاطب في بطله الشخصية الثورية والشخصية التي يريدها أن تناضل ضد هذا الحال .. ناداه بـ(عبد الرحيم) وكأنه يريد هذا المرة (عبد الرحيم الشاب) وليس (العم) ، وأرفق الإسم بوصفٍ جميل (حُر) ما لبث أن سحبه منه ونفاهُ عنه في دليلٍ واضح لهذا الزمن الذي يقضي على حرية الفرد ويفرض قيوده الإقتصادية والإجتماعية عليه .. وهذه الحرية المنفية تتوافق مع حنين البطل إلى عهده القديم حينما ذكره  الشاعر بـ(في إيدك تنوم .. على كيفك تقوم) ..
    لهذا عاد الشاعر بتذكيره من جديد بأيام الزراعه وحينما كان (تربال) بسيط بالأشياء التي كانت ستقيه مذلة (دفتر الحضور) ..
    أمنية بات يرددها كل مزارع تضيق به الحال في وقتنا الحالي (ياريت التمر ، ياريت لو يشيل كلِ تلاتة أشُر) ..
    كانت الحال ستتغير حتماً للأفضل وهذا التقسيم كل (تلاته أشُر) ، حتماً كان سيفك ضائقة كل المزارعين .. والتخفيف اللفظي في كلمة (أشُر) يُنبئ عن إمتلاك الشاعر زمام موسيقى قصيدته وكذلك زمام مفردته التي يرفعها لنا من محليتها إلى قوميتنا ..
    والتمني لدى حميد يظل أيضاً حنيناً لجمال تلك الأيام التي بات كل السودانين يتحسر عليها ، والأمر لا يخلو من إشارة سياسية تدعم الموقف القائل بأن الحكومات السابقة كانت - نوعاً ما - أفضل من الحكومة الحالية . وإن كنا لا ندري زمن كتابة هذه القصيدة بالتحديد .
    والنتيجة لتلك الأماني المستحيلة (كان ما جاك هوان) والمخاطب هنا البطل .. ولكي لا يبقى التحسر للبطل فقط ، يلتفت حميد لزوجته ويخاطبها (ما لاقاكي ضر) .. ولكي لا ينسى الشاعر أزمات الشعب السوداني كله ، يخاطبهم بـ(كان لا ضيق يضيق) ثم يلتفت مرةً أخرى للبطل (لا انغرغَرْ صبر) والصورة هنا لا تخلو من مرارة  والأمرِّ منها (لا شابيت غريق) والأمرَّ من كل هذا (لا طلوَحْ فقُر) .. ثم ينسحب الشاعر/الراوي من المشهد ويضع المايكرفون أمام البطل ليصرِّح لزوجته ويقول لها في منتهى الصدق والتحسُّر : (كان ما كان وكان ، كان أكسيكي دُر) ..
    ما أحوجنا في هذا الزمن لإمرأة مثل (أمونه) لا تقول لزوجها (جيب) ولزوج مثل (عبد الرحيم) يبادلها بـ(كان ما كان وكان ، كان أكسيكي دُر) .



                                   ( 7 )


    (ﺣﻴﻜﻮﻣﺎﺕ ﺗﺠﻰ
    ﻭﺣﻴﻜﻮﻣﺎﺕ ﺗﻐﻮﺭ
    ﺘﺤﻜﻢ ﺑﻰ ﺍﻟﺤِﺠِﻰ .. ﺑﻰ ﺍﻟﺪﺟﻞ ﺍﻟﻜِﺠُﻮﺭ
    ﻣﺮّﺓ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻯ .. ﻛﺴـّﺎﺭ ﺍﻟﺠِﺒُﻮﺭ
    ﻭﻳﻮﻡ ﺑﺈﺳﻢ ﺍﻟﻨﺒﻰ .. ﺗﺤﻜﻤﻚ ﺍﻟﻘﺒﻮﺭ
    تعرف يا صبي مره تلف تدور
    وللا تقول بري أو تحرق بخور
    ﻫِﻢ ﻳﺎ ﺍﻟﻔﻨﺠﺮﻯ .. ﻳﺎ ﺍﻟﺠﺮﻑ ﺍﻟﺼﺒﻮﺭ
    ﻛﻞ ﺍﻟﺴﻘﺘﻮ ﻣﺎت ، ﺑﺎﻗﻰ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘِﻤﻮﺭ
    ﻭﺃﺭﺿﻚ ﺭﺍﻗﺪِﻯ ﺑﻮﺭ
    ﻻ ﺗﻴﺮﺍﺏ ﻭﺻﻞ .. ﻻ ﺑﺎﺑﻮﺭ ﻳﺪﻭﺭ
    ﻭﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺔ ﺃُﻑْ
    ﻋﻴﺸﺔ ﻫﺎﻙ .. ﻭﻛُﻒ
    ﻓﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺰﻣﻦ .. ﺗـُﻒ ﻳﺎﺩﻧﻴﺎ .. ﺗـُﻒ).


    يواصل البطل ثوريّته ويبدأ السياسي داخله يتحدث (حيكومات تجي ---> تحكمك القبور) .. تراجع الشاعر/الراوي وترك البطل يواصل في غضبه من كل الأنظمة التي تعاقبت على الحكم . و(تجي) و (تغور) هي كلمات الساخط على الوضع القائم والوضع السابق ..
    ويستمر استهجانه لطريقة الحكم التي وصفها بـ(الحِجي) ، الأماني والوعودات التي لا يمكن أن يحققوها لشعوبهم .. و(الدجل والكجور) دليل على سذاجة الحكام واستغفالهم لشعوبهم والكذب والنفاق عليهم ..
    ويبدأ بسخطه من الحكم العسكري الذي قطعاً يقصد به الشاعر كل الحكومات العسكرية التي مرّت على البلاد .. ورمز لهم البطل بـ(العسكري) ووصفه بأبشع صفة (كسّار الجبور) ..
    ثم دلف البطل للذين يحكمون الشعب باسم الدين ويضلّون ويضللون شعبهم ، ورمز لهؤلاء بالأموات (تحكمك القبور) ..
    وبلهجةِ العالم بطبايع بطله ، يخاطبه الشاعر ويعطيه حلولاً ملتوية يمكنها أن تنجده من بحر فقره .. والحلول هي (تعرف مره تلف تدور !؟) (وللا تقول بري !؟) (أو تحرق بخور !؟) .. والخطاب بـ(يا صبي) تؤكد أن الحلول التالية تحتاج لمن يتصابى ويمارس تلك الأشياء مثل النفاق والكذب .. و(تقول بري) إشارةً للتمايع والتشبه بالنساء والتدلل الذي يتبعه التذلل أو قد يكون الشاعر يقصد بـ(تقول بري) الرفض والعصيان ، وإن كنت أرجح الأولى .. أما (تحرق بخور) فهي ذاتها (بي الدجل الكجور) ..
    ومادام البطل لن يتنازل ويفعل تلك الأشياء ، فإن الشاعر هنا ينتهره وهذه (النهره) نجدها في صوت مصطفى حين يصدح بها ويعلو صوته مع الموسيقى في هذا الجزء (هم يا الفنجري) و(الفنجريه) هي النقيض المقابل لكل تلك الخصال الفاسدة التي لا تناسب البطل ، لهذا يتحول الخطاب لدى الشاعر بلهجةٍ واقعيةٍ حاثة البطل على غض الطرف عن ذلك الفساد والتفكير فيما ينتظره .. و(الجرف الصبور) تحمل كل صفات التحمل والرجولة التي ينشدها الشاعر في البطل .. ثم يلفت إنتباهه لأرضه وفلاحته من جديد والتي من وجهة نظري أنه هجرها يوماً ما (كل السقتو ، مات .. باقي على التمور)
    اي كل الذي فلحته وزرعته يوماً ما ، قد مات وفشل ولم يتبقى لك سوى (التمور) والمحزن في الأمر (أرضك راقدي بور .. لا تيراب وصل لا بابور يدور) بالإضافة إلى (والماهيه أف .. عيشة هاك ، وكف) .. وهذا يؤكد أن البطل يعمل نظير (ماهيه) في مكانٍ ما لم يخبرنا عنه الشاعر ، وإن كان يتحدث عن المرتبات بشكلٍ عام .
    وفي ختام المطلع يعود الشاعر مع البطل لإلقاء اللوم على هذا الزمان الذي جرّعه كأس الهوان والفقر (في هذا الزمن ، تُف يا دنيا .. تُف) .


                                    ( 8 )


    (ﻳﺎ ﺍﻟﻌَﺒِﺪ ﺍﻟﺸﻘﻰ
    ﻣﺎ ﺃﺗﻌﻮّﺩْ ﺷﻜﻰ
    ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻜﻔﺎﻑ ﻓﻮﻗﻚ .. ﻣﻨﺘﻜﻰ
    والسوق فيك يسوق
    ﺣﺎﻟﻚ ﻣﺎ ﺑﺘﺴـُﺮ
    ﺇِﻟِّﻰ ﻛﻤﺎﻥ ﻓﻰ ﻧﺎﺱ ﻓﺎﻳﺘﺎﻙ ﺑﻰ ﺍﻟﺼﺒُﺮ
    ﺳﺎﻛﻨﻴﻦ ﺑﻰ ﺍﻹﻳﺠﺎﺭ .. ﻻ ﻃﻴﻦ .. ﻻ ﺗﻤُﺮ
    ﻭﻭﺍﺣﺪﻳﻦ ﺑﻰ ﺍﻹﻳﺠﺎﺭ .. ﻣﺎ ﻻﻗﻴﻦ ﺟُﺤُﺮ
    ﺳِﻠﻌـﺘُﻢْ ﺍﻟﻀُﺮﺍﻉ .. ﻭﺍﻟﻌﺮﻕ ﺍﻟﻴﺨُﺮ
    ﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﻤﺪﻥ
    ﻛﻼّﺕ ﺍﻟﻤﻮﺍﻧﻰ
    ﺍﻟﻐُﺒُﺶ ﺍﻟﺘﻌﺎﻧﻰ
    ﺑﺤّﺎﺭﺓ ﺍﻟﺴُﻔُﻦ
    ﺣﺸّﺎﺷﺔ ﺍﻟﻘﺼﻮﺏ
    ﻟﻘﺎﻃّﺔ ﺍﻟﻘﻄﻦ
    ﺍﻟﺠﺎﻟﺒﺔ ﺍﻟﺤﺒﺎﻝ
    ﺍﻟﻔِﻄﻦ ﺍﻟﻔُﺮُﻥ
    ﺍﻟﺸﻐﻼﻧﺘﻮ ﻧﺎﺭ
    ﻭﺍﻟﺠﻮ ﻛﻴﻒ ﺳُﺨُﻦ
    ﻋﻴﺸُﻦْ ﻛﻤّﻬﻮ .. ﻭﺩﻳﺸُﻦ ﻫﺎﻥ ﻗَﺪُﺭ
    فرقاً شتى بين
    ناساً عيشا دين
    مجروره وتجر
    تقدح بالأجر ومره بلا أجر ،
    ﻭﻧﺎﺳﺎً ﺣﺎﻻ ﺯﻳﻦ
    ﻣﺼﻨﻊ .. ﻣﺼﻨﻌﻴﻦ
    ﻃﻴﻦ ﻓﻰ ﻃﻴﻦ .. ﻭﻭﻳﻦ
    ﻣﺎ ﻣﺮﺍﺑﺎ ﻣُﺮ .. ﺑﺎﺭﺩ ﻫﻤﻬﺎ
    ﻻ ﻳﻌﺮﻕ ﺟﺒﻴﻦ .. ﻭﻻ ﻭﺷﺎً ﻳﺼُﺮ
    ﻋﻴﻦ ﻭﺍﻟﻠﻪ .. ﻋﻴﻦ
    ﻛﻠﻬﺎ ﻛﻤﻬﺎ .. ﻭﻫﻤﻬﺎ ﻫﺎﻥ ﻗﺪُﺭ
    ﻓﻰ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﺃﻡ ﻧﻌﻴﻢ .. ﻓﻰ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﺃﻡ ﻗُﺼُﺮ
    ﻳﺎ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ ﺇﻟِّﻰِ ﻭﺭﺍ ﺍﻟﻘﺒُﺮ ؟)


      يريد أن يخفف الشاعر على بطله (العبد الشقِي) بعد السرد السابق ويقول له أننا نعلم أنك ما كنت لتشتكي مما أصابك لو لم تنعدم لديك الحلول وتُسَد أمامك الأبواب .. و(الكفاف فوقك منتكي) مبالغة في التعبير عن حالة الفقر التي تحيط بالبطل .. وغلاء الأسعار التي يقابله قلة مصاريفه ، عبّر عنها بـ(والسوق فيك يسوق) ..
    ولكي يهوّن عليه ويواسيه أكثر ، تأتي (إلِي كمان في ناس فايتاك بالصبر) لابد أن البطل قد قال هنا متعجباً (معقوله !!!) كيف يُعقل ذلك والشاعر يصفه بـ(الجرف الصبور) ؟
    ويجيب الراوي/الشاعر أن الذين يفوقونه في الفقر (ساكنين بالإيجار لا طين لا تمُر) والبطل - على الأقل - يسكن في منزله ولديه (طين) أراضي لفلاحتها ولديه (نخيل) .. ولمواساته أكثر (واحدين بالإيجار ، ما لاقين جحُر) .. ويتسآءل البطل : كيف يعيشون هؤلاء ؟ ويجيب الشاعر (سلعتم الضراع والعرق اليخُر) ولم يكتفِ بذلك فحسب بل منحه أمثلة لهؤلاء (عمال المدن ، كلاّت الموني ، الغبش التعاني ، بحارة السفُن ، حشّاشة القصوب ، لقّاطة القطن ، الجالبه الحبال ، الفِطن الفرن) وهذا حصر جميل لمختلف المهن ذات الدخل القليل والتي تمثل كل جغرافيا السودان السكانية .. ويسأل البطل الشاعر : هؤلاء (عيشُن كمّهمو ؟) . ولم ينسى كذلك مكانتهم الإجتماعية (وديشُن هان قدُر) ..
    ويمنح الشاعر بطله هذه المقارنه ليحس بالفرق بين الطبقات العليا والسفلى (فرقاً شتى بين ناساً عيشا دين ، وناساً حالا زين) . ثم يتحدث عن الطبقة المسحوقة (مجروره ، وتجُر .. تقدح بالأجر ، ومرّه بلا أجر) .. ثم يتحدث عن النُخَبْ العليا التي تعيش على حساب هؤلاء (وناساً حالا زين) أولئك الذين يتعالون على جراحه وفقره وفقر مجتمعه (بارد همها) ويذكر الشاعر كل أنواع ترفهم ليقارنه البطل مع حال (زملان الشقا)   وليقارن أيضاً بأقليّة هؤلاء (كلها كمها) مع أكثرية الفقراء ولكن لا ينسى الشاعر أن يصف تلك النخب بـ(عزها هان قُدر) رغم كل ذلك الثراء ..
    في الإلقاء الشعري النادر لهذه الملحمه يُبرز الحبيب حميد هذا المقطع في صيغة الإستفهام (في الجنه أم نعيم ، في الجنه أم قصر يا عبد الرحيم إلا ورا القبر ؟؟) ولا أدري ما إذا كانت هذه العباره تحمل لهجة الإستفهام أم تفيد الخبر ، فلعل الشاعر يريد أن يطمئن بطله إلا أن هنالك نعيماً بعد كل هذا الشقاء .. وبما أن الحبيب حميد يعي ما يقول ، فسنتعامل معها بذات المعنى الذي قصده وهو معنى الإستفهام ..
    وهذا ما جعل الشاعر يتسآءل تضامناً مع بطله (في الجنه أم نعيم ، في الجنه أم قصر يا عبد الرحيم إلا ورا القبر ؟؟) .. وهنا خاطبه مرةً أخرى بـ(عبد الرحيم) وهذه نجدها حينما يخاطب فيه الثوري والشخص المتفائل والشخص الذي يجب أن يعيش ممسكاً بيقينه وقناعاته وكبرياءه ..


                                    ( 9 )   


    (ﻭﻳﻠﻜﺪ ﻓﻰ ﺍﻟﻨﻌﺎﻝ
    ﻓﺘﺎﺡ ﻳﺎ ﻋﻠﻴﻢ
    ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻔﻘﺮ ﻳﺎ ﻋﺒﺪﺍﻟﺮﺣﻴﻢ
    ﺃﺷﺒﻪ ﺑﻰ ﺍﻟﻜُﻔُﺮ
    ﻭﻧﻘﺮﻁ ﻟﻟﺤﻤﺎﺭ
    ﻧﻘﺮﻳﻂ ﺍﻟﺤﻤﺎﺭ .. ﻻﺗﻨﺴﻰ ﺍﻟﻨِﻌﺎﻝ
    ﺍﻟﻄِﺮﻗِﻰ ﺍﻟﺨﺪﺍﺭ
    ﺍﻟﻠِّﺒِﺲ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ
    ﺗﺴﺮﻳﺢ ﺍﻟﺴﻔﺮ .. ﻟﻰ ﺍﻟﻤﺎﺷﻰ ﺍﻟﺼّﻌﻴﺪ
    ﻣﺎﺷﻰ ﺍﻟﺪّﻳﺶ .. ﻧَﻔَﺮ
    ﻭﺍﻟﺒﺎﻝ ﺇﺷﺘﻐَﻞ
    ﺑﻰ ﺍﻷﺑﻰ ﻣﺎ ﻳﻌِﻴﺪ .. ﺍﻟﺤﻮﻝ ﻣﺎ ﺃﺷﺘﻐﻞ
    ﺍﻟﻐُﺒُﻦ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ .. ﺍﻟﺴﺎﺑﺎ ﻭﺭﺣَﻞ
    ﺍﻟﻀﻴﻖ .. ﺍﻟﻤﺤَﻞ
    ﻭﺍﻟﻔﺮﺝ ﺍﻟﻘﺮﻳﺐ
    ﺍﻟﺠﺎ .. ﻭﻣﺎ ﻭﺻَﻞ
    ﺯﻯ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﺩﻩ ﻳﻮﻡ .. ﻻ ﻛﺎﻥ .. ﻻ ﺣﺼَﻞ
    ﻭﺍﻟﺒﺎﻝ ﺇﺷﺘﻌَﻞ
    ﺍﻟﺴﻜﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺪ .. ﻳﺎ ﻋﻤﻮ ﺍﻟﻘَﻄَﺮ
    ﻳﺎ ﻋﺒﺪﺍﻟﺮﺣﻴﻢ ﻗِﺪّﺍﻣﻚ ﻗطر).


    ينتقل المشهد إلى حالة الحركة من جديد ويظهر في المسرح البطل وهو (يلكد في النعال) حاثاً (حمارو) على الحركة وهو ما يزال يردد ذات الدعاء الأول (فتّاح يا عليم) .. ويرجع الشاعر لتطمين بطله من جديد مخاطباً إياهُ بـ(عبد الرحيم) لذات الأسباب السابقة الذكر في محاولة لتثبيته (وإن كان الفقُر يا عبد الرحيم أشبه بالكفُر) لهذا يذكّره بأن يردد دوماً (فتّاح يا عليم) .. ثم يواصل البطل طريقه لمكان عمله و(نقرط للحمار) تعقبها حركة تقال للحمار حينما نريد حثّه على السير وهي عبارة لا نستطيع كتابتها ولكن حميد ينطقها ويغنيها كذلك مصطفى لينقل لنا المشهد كاملاً لهذا المؤثر الصوتي الجاهز الذي يجعلنا نراقبه وهو على صهوة حماره مشغولاً بوصايا زوجته وما تُمليه عليه ظروف المعيشة (لا تنسى النعال ، الطرقي) هذه هي وصايا زوجته التي سمعناها في المشهد الأول وهي معالجات فقط ورتق لما هو قائم ، أما (الخدار) فهو ضرورة لابد منها ، و(اللبس الجديد) هو عهد قطعه لزوجته في ذات المشهد (لازمك توب جديد) ، والهموم القومية كذلك (تسريح السفر للماشي الصعيد .. ماشي الديش نفر) و(الأبى ما يعيد) وقضايا البطالة (الحول ما اشتغل) والغم والحزن الناتج عن الأوضاع الإقتصادية (الغبن الشديد) وكذلك قضايا الهجرة والإغتراب (السابا ورحل) والجفاف وقلة ذات اليد (الضيق ، المحَلْ) وكذلك بعد (الفرج القريب) / الحلول رغم قربها (الجا) وابتعادها عن التطبيق ولعلها الوعود السياسية و(ما وصل) دلالة على أولئك الذين يحولون دون تحقيق ذلك (الفرج) .. كل هذه الأشياء تجول في خاطره ويضعها نصب أعينه وتجعله يقارن بينها وبين ما مضى من عهود (زي الحال ده يوم ، لا كان .. لا حصل) ولكي يتصعّد المشهد أكثر يستخدم الشاعر استعارة جميلة تضع أمامنا حال الصراع الذي يدور في رأس البطل (والبال إشتعل) ... ويتصاعد المشهد أكثر حينما نرى البطل مهموم البال وهو يتجه ناحية سكة القطار غير منتبهاً لما يجري حوله لأنه في عالمٍ آخر يتفحص قائمة المطالب القومية التي يتوجب عليه تحقيقها ، لهذا يدع الشاعر الشارع يتولى تنبيه بطله بالخطر الذي يتوعده مما جعل الماره يصرخون به (السكه الحديد .. يا عمو القطر) ولمّا لم ينتبه لتحذيراتهم ، يتولى الراوي بنفسه تنبيه بطله صايحاً به (يا عبد الرحيم قدامك قطر) .


                                 ( 10 )


    (ﻭﺳﺎﻝ ﺍﻟﺪﻡ .. ﻣﻄﺮ
    ﻭﻃﺎﺭﺕ ﺩﻣﻌﺘﻴﻦ .. ﻭﺇﻧﺸﺎﻳﺢ ﻭﺗﺮ
    ﻳﺎ ﻃﺎﺣﻦ ﺍﻟﺨﺒﺮ
    ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﻀﺎ .. ﻭﻣَﺮْﺣﺎﻛﺔ ﺍﻟﻘﺪﺭ
    ﺍﻟﺸِّﻬﺪﻭﺍ ﺍﻟﺪﻣﻮﻡ .. ﻭﺍﻟﺪﻣﻊ ﺍﻟﻬَﺪَﺭ
    ﺇﻳﺪُﻡْ ﻓﻰ ﺍﻟﺘُﺮﺍﺏ .. ﻭﺍﻟﻌﻴﻦ ﻓﻰ ﺍﻟﻘﻄﺮ
    ﻋﺎﺭﻓﻴﻦ ﺍﻟﺤﺼﻞ
    ﻋﺎﺭﻓﻴﻦ ﻓﻰ ﺣﺬﺭ
    ﺍﻟﺨﺒﺮ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ .. ﺑﻮّﺥ .. ﻭﺇﻧﺘﺸﺮ
    ﺃﻃﻔﺎﻝ ﺍﻟﻘﺮﻯ .. ﻭﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺤﻀَﺮ
    ﺃﺩﻭﻫﻮ ﺍﻟﻄﻴﻮﺭ .. ﻭﺩَّﻭ على البحر
    ﺇﻧﺼﺎﻋد ﺳﺤﺎﺏ
    ﻭﺇﻧْﺪﺍﻓَﻖْ ﻣﻄﺮ :
    ﻋﻢ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ .. ﻓﻰ ﺍﻟﺸﺎﺭﻉ ﻋَﺼﺮ
    ﻟﻰ ﺗﺎﻻ ﺍﻟﻴﺴﺎﺭ
    ﻣﺘﻔﺎﺩﻯ ﺍﻟﻜَﺠﺮ .. ﺩﻭﺭﻳﺔ ﺍﻟﻜﺠﺮ
    عربية الكجر
    ﺟﻔّﻠﺖ ﺍﻟﺤُﻤﺎﺭ .. ﻭﻃﻠﻮَﺡ ﺯﻯ ﺣﺠﺮ
    ﻭﻋﻢ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ .. ﺇﺗﻼﻓﺎ ﺍﻟﻘﻄﺮ
    ﻓﺘﺎﺡ ﻳﺎ ﻋﻠﻴﻢ .. ﺳﺎﻝ ﺍﻟﺪﻡ ﻣﻄﺮ
    ﺟﺮﺗﻖ ﻟﻰ ﺍﻟﺘُﺮﺍﺏ
    ﻣﻨﺸﻮﺭ ﺑﻰ ﻛﺘﺎﺏ
    ﺭﻭﺷﺘّﺔ .. ﻭﺟﻮﺍﺏ
    ﻣﻔﺘﺎﺡ ﺃﺏ ﻗُﺮﺍﺏ .. ﺃﻭﺭﻧﻴﻘﻴﻦ ﺳَﻬَﺮ
    ﺟﻨﺐ ﻟِﺒﺪﺓ ﺣُﻤﺎﺭ
    ﻣﻘﻄﻮﻋﻴﻦ ﺿَﻬﺮ

    ... ﻋﻢ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ .. ﻳﺎ ﻛﻤِّﻴﻦ ﺑﺸﺮ
    ﺻﺤِّﻰ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﺳﻼﻡ
    ﻣﺎ ﻳﻐﺸﺎﻙ ﺷﺮ)

      ترك الراوي عيوننا متعلقةً بما سيلي من أحداث ويجعلنا نتسآءل فيما سيجري بعد هذا المشهد المخيف والقطار يتجه مسرعاً نحو البطل الذي كان منتمياً لعوالم أخرى تحول دونه والإنتباه لما سيجري حوله .. ولم يطل انتظارنا حتى وافانا الراوي بالمشهد الأخير (وسال الدم مطر) تلك النتيجة الحتمية التي كان لابد منها من خلال معطيات الأحداث الماثلة أمامنا .. و(طارت دمعتين وانشايح وتر) تعزية جميلة وحزينة تُلزمنا بالتعاطف مع هذا الممدد تحت عجلات القطار ..
    يصمت المشهد رهبةً أمام الموت وينتقل الراوي ليتحدث بأسى وتحسر على بطله ويكشف لنا تسرّب خبر مماته بين الناس (يا طاحن الخبر .. ما بين القضا ومرحاكة القدر) وهذه استعاره جميلة وذكية في ذات الوقت ، تتركنا نتسآءل عن المقصود بكلمة (القضا) .. هل يقصد الشاعر (القضاء) بمعنى المشيئة ؟ أم يقصد بـ(القضاء) المحاكم التي تلت هذه القضية ؟
    وإن كنت أرجح الأخيرة لأن حميد لم يعودنا هذا التكرار .. فالمطحون غالباً يكون في (المرحاكه) بين شيئن مختلفين الرحى والحجر .. لهذا لا أظنه كان يقصد المشيئة بكلمة (القضا) ، رغم أنه استخدم ذات الكلمتين في قصيدة أرضاً سلاح (يوم كان المصاب يا صابره لا قضا لا قدر) وهنا كان يقصد القضاء والقدر ....
    أما في هذا المشهد ، فهو يحاول أن يضع قضية بطله موضع تسآؤل هل هي مشيئتة التي قتلته أم أن هذه القضية هي قضية يجب أن تخضع للقضاء ليفصل فيها ويعاقب الجاني ؟
    ينتقل المشهد لتأثُر الشارع العام/الشاهد بهذا الحدث (الشهدوا الدموم والدمع الهدر) الذين راعهم سؤ المشهد وجعلهم مذهولين بما يجري (إيدم في التراب والعين في القطر) . والمعرفة التي وصف بها الشاعر/الراوي الشهود (عارفين الحصل ، عارفين في حذر) تفتح فينا تسآؤلاً مفاده " فيما الحذر ؟ " ...
    حتى هذه اللحظة زوجة البطل لم تظهر في الصورة ولا أدري لما أخفاها الشاعر عن مسرح الجريمة وعن سرادق العزاء أيضاً ، ربما ليؤكد لنا أن هذا البطل هو شأن قومي ورحيلة فاجعة قومية عامة لا يريد أن يحصرها في عويل زوجة واحدة ...
    (الخبر اليقين  بوّخ وانتشر) ، الجميع بات يعرف ما جرى للبطل .. ولكي يخلّد الراوي هذه اللحظة ـ لحظة الممات ـ وهذا الخبر يستخدم هذه الصورة البارعة لخلود الخبر وخلود لحظة الوفاة وتفاصيل الحدث (أطفال القرى وعمّال الحضر .. ادوهو الطيور ودنّو البحر ، إنصاعد سحاب وإندافق مطر) . ومفاد هذا الخبر حسب رؤية الشهود (عم عبد الرحيم في الشارع عصَر لي تالا اليسار متفادي الكَجر) .. وفي رأيي أن هذه الصورة لا تخلو من إشارة سياسية (عصَر لي تالا اليسار) .. ويتواصل سرد ما حدث (دورية الكجَر ، عربية الكجَر .. جفّلت الحمار ، وطلوح زي حجر .. وعم عبد الرحيم إتلافا القطر) مع أن الراوي قد أخفى عنّا هذه التفاصيل لحظة وقوع الحدث وجعلنا نركز مع البطل متجاهلين الحِمار الذي ذكر الشهود أنه خاف من (دورية الكجَر) مما جعل البطل يفقد توازنه ولا ينتبه لسكة القطار الذي صدمه .. وهذه هي القضية التي تؤكد (مابين القضا ومرحاكة القدر) .. إذاً الجاني هنا هي دورية الشرطة التي تسببت فيما جرى لذا نجد (عارفين في حذر) ..
    يعود الراوي ليواصل لنا المشهد بعد رحيله (فتّاح يا عليم .. سال الدم مطر) مرة أخرى ليكشف لنا سؤ الحادثة (سال الدم مطر) ولكن هذا الدم الطاهر (جرتق للتراب) .. ويعرض لنا الراوي ما تركه البطل بعد رحيله على أرض الحدث (منشور بي كتاب ، روشته وجواب ، ماهية شهر ، مفتاح أب قراب ، أورنيكين سهر) وكل هذه الأشياء (مقطوعين ضهر) (جنب لبدة حمار) .. وهذه من أجمل صور القصيدة التي تكشف لنا يُتم الأشياء - أشياء البطل - بعد رحيله ..
    يختتم الراوي مشاهد القصة كلها في هذا المقطع البديع (عم عبد الرحيم يا كميّن بشر) وهذا يقابل الآية الكريمة(إن إبراهيم كان أمة) وهذا مصطلح فيه تعظيم للبطل الذي يستحق هذا وأكثر طالما كان بتلك الصفات .
    ويظل خطاب الراوي الأخير لبطله (صحِّي الموت سلام ، ما يغشاكا شر) ، خير ختام لهذا المشهد .. وهذه التمنيات بـ(ما يغشاكا شر) هي بمثابة قبلة الوداع التي رسمها الراوي على جبين البطل ..

              *********** 
     

    * ((إعتذار)) :

    لم أكن لأتجرأ على حرف أبي وحبيبي حِميد ، لو لم تنازعني فكرة الغوص في هذا النص الذي كنتُ أحسبه واضحاً في بادئ الأمر .. وإذ بي أتفاجأ بذكاءٍ لم تعرفه ساحة الشعر السودانية في التناول والسرد ومعالجة الأحداث الإجتماعية ..
    أتمنى أن أكون قد ألقيت (إبره) في (بحر) الحبيب حميد الممتد ..
    ولتعذرني يا سيدي وحبيبي على التطاول على حرم حرفكَ المصون ..


    (تمت)
    معز عوض أبو القاسم

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 18 نوفمبر 2018, 20:31